القضية 17 الجزء رقم 3

maya stories
0




— «لقد قلت لكما… هذه ليست قضية يمكن اللعب بها.»
كان الصوت مبحوحًا، يخرج من رجلٍ مسنّ جلس خلف طاولة خشبية متفحّمة، كأنها الناجي الوحيد من حريقٍ لم يترك شيئًا سواه. المقهى الذي ظهرت أرقامه في هاتف ليلى لم يعد مقهى؛ بل هيكل أسود، جدرانه متشققة، ورائحة الدخان ما زالت عالقة في الهواء رغم مرور أيام.
اقترب حاتم خطوة، حدّق في وجه الرجل الذي بدت عليه آثار الأرق والخوف. — «من فعل هذا؟» سأل بهدوء مقصود. «هل رأيتهم؟»
هزّ العجوز رأسه ببطء، وكأنه يستعيد المشهد قطعة قطعة. — «جاؤوا قبل الفجر… ثلاثة رجال. لم يدخلوا من الباب، كأنهم يعرفون المكان أكثر مني. قالوا لي أن أنسى ما رأيته، وأنسى الأسماء التي سمعتها.»
ابتلع ريقه، ثم أكمل بصوت أخفض: — «وعندما قلت لا… أشعلوا النار. وقفوا يشاهدونها تأكل المكان، وأنا معهم.»
شدّ أدهم قبضته. — «هل رأيت وجوههم؟ أي شيء يميزهم؟»
— «لا.» أجاب العجوز بسرعة. «لكنهم لم يكونوا عشوائيين… كانوا محترفين.»
تقدم أدهم بالسؤال الذي كان يثقل صدره: — «وماذا عن نزار؟»
ساد صمت ثقيل. نظر العجوز حوله، ثم خفّض صوته حتى كاد يُهمس: — «نزار لم يكن مجرد شخص.»
رفع حاتم حاجبيه.
— «كان اسمًا رمزيًا.» تابع العجوز. «مخبرًا سريًا، عمل قبل سنوات على ملف فساد كبير. أسماء ثقيلة… وأموال أقذر مما تتخيلون.»
— «وأين هو الآن؟» سأل حاتم.
ابتسم العجوز ابتسامة باهتة: — «اختفى.»
— «مات؟»
— «لا أحد يعرف. لكن كل من اقترب من تلك القضية… اختفى معها.»
نظر حاتم إلى أدهم نظرة حاسمة. — «ليلى لم تمت صدفة.» قال بثقة. «كانت تحاول إعادة فتح ملف أُغلق بالقوة.»
تنحنح العجوز: — «إن لم تكونوا حذرين… ستختفي هذه القضية كما اختفى غيرها.»
خرج حاتم من المقهى المحترق، والليل يضغط على صدر المدينة. توقف فجأة وقال: — «علينا العثور على هذا المخبر قبل أن يصلوا إليه.»
— «وإذا كانوا قد وصلوا؟» سأل أدهم.
استدار حاتم ببطء: — «إذًا نحن متأخرون… لكن ليس منتهين.»
في تلك اللحظة، دوّى صوت خافت خلفهما، كأن حجرًا دُحرج عمدًا. التفتا معًا… لكن الشارع كان فارغًا.
غير أن حاتم كان متأكدًا من شيء واحد:
لم يعودوا وحدهم في اللعبة.
لم يغادر اسم «نزار» رأس حاتم منذ خروجهما من المقهى المحترق. كان الاسم يتمدّد في ذهنه، لا كشخص، بل كفكرة خطِرة، كظلّ يتحرّك كلما اقتربوا من الضوء.
في السيارة، فتح أدهم حاسوبه المحمول، يعيد فحص الملفات القديمة. — «لو كان نزار مخبرًا سريًا، فلا بد أنه ترك أثرًا… مستندًا، بلاغًا، أي شيء.»
أومأ حاتم: — «ابحث في القضايا التي أُغلقت فجأة. الملفات التي انتهت بلا محاكمات.»
بعد دقائق من الصمت، توقّف أدهم فجأة. — «وجدت شيئًا.»
رفع حاتم نظره. — «ملف قديم، قبل سبع سنوات… قضية فساد كبيرة أُغلقت لأسباب إجرائية. الاسم الرمزي للمصدر: N-17.»
شدّ حاتم على المقود. — «القضية 17…»
تقاطعت الخيوط أخيرًا 
— «هناك اسم حقيقي مذكور في الهامش، شُطب لاحقًا.» تابع أدهم. «رجل يُدعى سامر الخطيب. موظف سابق في شركة استثمارية.»
— «هل هو حي؟»
— «مسجّل رسميًا… نعم. عنوانه في حي قديم على أطراف المدينة.»
لم يترددا
كان المبنى الذي يقصده العنوان متداعيًا، جدرانه متآكلة، وسلالمه تئن تحت الأقدام. صعدا إلى الطابق الثالث، حيث باب معدني صدئ.
طرق حاتم.......لا جواب.
طرق مرة أخرى، أقوى.
سمعا حركة خفيفة من الداخل.
— «شرطة.» قال حاتم. «نريد التحدث فقط.»
انفتح الباب ببطء، وظهر رجل في أواخر الأربعينيات، عيناه قلقتان، ووجهه شاحب. — «قلت لهم… لن أتكلم.»
— «لسنا هم.» قال أدهم بسرعة. «نحقق في مقتل ليلى الراوي.»
تجمّد الرجل. — «ليلى…» تمتم. «إذًا وصلوا إليها.»
سمح لهما بالدخول.
كان المكان بسيطًا، بلا صور، بلا ذكريات. كأن صاحبه تعمّد أن يترك أقل أثر ممكن.
— «اسمك سامر الخطيب.» قال حاتم. «كنت المصدر المعروف باسم نزار.»
جلس سامر ببطء. — «كان اسمًا مؤقتًا… ظننت أنه سيحميني.»
— «ماذا كنت تملك؟»
— «أدلة.» قال وهو يضغط على يديه. «تحويلات مالية، أسماء سياسية، شركات واجهة.»
— «وكمال صبري؟»
رفع سامر رأسه فجأة. — «هو الرأس.....ساد الصمت.
— «ليلى أتت إليّ قبل شهر.» تابع سامر. «قالت إن الملف سيُفتح من جديد. قلت لها أن تبتعد… لكنها لم تفعل.»
— «هل التقيتها ليلة مقتلها؟»
— «نعم.»
كانت الإجابة كصفعة.
— «اتصلت بي من هاتف آمن. تحدثنا طويلًا… قلت لها أن الخطر قريب.»
— «ثم؟»
— «ثم انقطع الاتصال.»
في تلك اللحظة، سُمع صوت ارتطام قوي من الخارج.
نهض حاتم فورًا. — «انبطح!»
انفجرت النافذة، وتناثرت الشظايا.
ارتمى أدهم أرضًا، بينما حاول سامر الوصول إلى باب خلفي.
دوّى صوت إطلاق نار.
وعندما عمّ الصمت، كان سامر ممددًا على الأرض… بلا حراك.
تقدّم حاتم ببطء، وضع يده على عنق سامر.
لا نبض.
نظر إلى أدهم، والغضب يشتعل في عينيه. — «لم يريدوا أن يتكلم.»
وفي يد سامر، وجد هاتفًا صغيرًا محطّم الشاشة، لكن بطاقة الذاكرة ما زالت في مكانها.
التقطها حاتم بحذر.
— «لكن يبدو أنه تكلّم بما يكفي.»
في الخارج، كانت خطوات تبتعد بسرعة.
أما اللعبة… فقد دخلت مرحلة اللاعودة


إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !