القضية 17 جزء رقم 1

maya stories
0



كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل عندما اخترق صمت المدينة صراخٌ حاد، تبعه صوت ارتطامٍ مكتوم ارتدّ صداه بين الجدران الضيقة. في شارعٍ جانبي مهجور، حيث المصابيح الصفراء المتعبة بالكاد تلامس الإسفلت، تمدّد جسدٌ ساكن فوق الأرض الباردة، كأنه قطعة من الظل سقطت من الليل.

لم يشهد أحد اللحظة الأولى، لكن نوافذ بعيدة انفتحت على عجل، وتعالت همهمات وصرخات متقطعة. بعد دقائق ثقيلة، دوّى صوت سيارة شرطة تشقّ السكون، وانعكست الأضواء الزرقاء والحمراء على الواجهات العتيقة، فبدت المدينة كأنها تراقب نفسها في مرآة مكسورة.

توقفت السيارة، وترجّل منها المحقق حاتم الجبري بخطوات محسوبة. كان في أواخر الأربعينيات، كتفاه يحملان ثقل سنوات من القضايا المعقّدة، وعيناه تعرفان كيف تلتقطان التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. خلفه نزل مساعده الشاب أدهم السلمي، حديث العهد بالميدان، لكن حماسه وذكاءه كانا يسبقان سنّه.

انحنى حاتم قرب الجسد، قلبه بهدوء، فظهر وجه الضحية تحت الضوء الخافت. امرأة في منتصف الثلاثينيات، شعرها الأسود منسدل على جانبها، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، وكأنهما تسألان سؤالًا لم تجد له جوابًا.

همس أدهم بدهشة مكبوتة: — «إنها ليلى الراوي… المحامية المشهورة!»

تجمّد الاسم في الهواء. شدّ حاتم فكه، ثم قال بصوت منخفض حاسم: — «إذا كانت ليلى الراوي هنا… فهذه لن تكون جريمة عادية.»

كان يعرف سمعتها جيدًا: قضايا حسّاسة، خصوم نافذون، وملفات لا يحبّ أحد فتحها.

بعد ساعة، تحوّل الشارع الضيق إلى مسرحٍ مزدحم. شريط أصفر، كاميرات، وضباط أدلة جنائية ينحنون لالتقاط كل أثرٍ ممكن. لم تكن هناك فوضى، بل ترتيب يوحي بأن ما حدث كان سريعًا ومحسوبًا.

توقّف حاتم عند سيارة الضحية المركونة على بعد أمتار. الزجاج الأمامي كان مكسورًا، لكن الداخل سليم. لا حقيبة مقلوبة، لا أثر لعنفٍ عشوائي.

— «ليس سرقة…» تمتم وهو يدوّن ملاحظة.

اقترب أدهم يحمل حقيبة ليلى، فتحها بعناية، ثم توقف فجأة. — «سيدي… هناك شيء غريب.»

أخرج ملفًا أسود صغيرًا، كُتب على غلافه بخط يدٍ واضح: القضية 17. وأسفل العنوان جملة قصيرة: إذا حدث لي شيء، فابحثوا عن الحقيقة هنا.

شعر حاتم بقشعريرة باردة. هذا ليس تحذيرًا عاديًا، بل رسالة أخيرة. — «ليلى كانت تتوقع الخطر…» قال بهدوء ثقيل.

رفع أدهم نظره: — «يعني أنها كانت تعرف أن أحدهم قد يصل إليها.»

— «أو أنها اقتربت أكثر مما يجب.»

في تلك اللحظة، أدرك حاتم أن القضية خرجت من إطار جريمة قتل، ودخلت منطقة الأسرار المدفونة.

في المكتب، تحت ضوءٍ أبيض بارد، فتح حاتم الملف ببطء. الأوراق مرتبة بعناية: مراسلات قانونية، تقارير غير موقّعة، وتواريخ مشطوبة بالقلم الأحمر. وفي المنتصف، صورة قديمة لرجل خمسيني، ملامحه صارمة، يرتدي بدلة رسمية، ونظرته تحمل ثقةً لا تخلو من تهديد.

— «من هذا؟» سأل أدهم.

قلّب حاتم الصفحة الأخيرة، فظهر الاسم واضحًا: كمال صبري.

توقّف الزمن لحظة. الاسم ثقيل، معروف في دوائر المال والسياسة. رجل أعمال بارز، تحيط به شائعات فساد أُغلقت جميعها قبل أن تصل إلى المحكمة.

— «كمال صبري لا يترك أثرًا…» قال حاتم. «إذا كانت ليلى تعمل على قضية تخصه، فهي لعبت بالنار.»

— «لكن لماذا الآن؟ ولماذا تُقتل في شارع مهجور؟»

أغلق حاتم الملف: — «لأنها ربما كانت على وشك كشف شيء لا يمكن إخفاؤه بعد الآن.»

تقدّم نحو النافذة، نظر إلى المدينة التي بدأت تستيقظ. — «أول خطوة: نعيد بناء آخر أربعٍ وعشرين ساعة من حياة ليلى. كل لقاء، كل مكالمة… أي تفصيل قد يقودنا إلى الحقيقة.»

نظر أدهم بحماس ممزوج بالقلق: — «وهل نحن مستعدون لما قد نجده؟»

استدار حاتم ببطء: — «في هذه القضايا… الحقيقة دائمًا أخطر مما نتوقع.»

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !